كريم نجيب الأغر
80
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ومن هذا الشرح نفهم أن ألف التثنية لفعل « اجتمعا » تعود للرجل والمرأة وليس لماء الرجل ولماء المرأة وذلك لأن ماء المبيض وماء الرجل لا يجتمعان في بادئ الأمر . هذا المفهوم يؤيده الحديث التالي الذي سنأتي على تفسيره في مبحث « اختلاط عروق النطفة » وهو « إذا أراد اللّه تعالى أن يخلق النسمة فجامع الرجل المرأة . . . » [ رواه الطبراني ح 21 ] ، ففي هذا الحديث يظهر جليّا أن فعل « جامع » يعود للرجل والمرأة فقط لأنه لا يوجد ذكر لأي من السوائل فيما قبل ، والحديث يفسّر بعضه بعضا . أما الماء الثاني الذي يفرز من قبل المرأة عند الجماع فهذا يفرز من ( عنق الرحم CERVIX ) ومن غدد أخرى مثل : ( غدد بارثولين ) و ( غدد سكن ) وهو يختلط ( أو يجتمع ) بماء الرجل في المهبل فور الجماع كما جاء في الحديث الشريف أعلاه : « . . . فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة . . . » [ أخرجه مسلم ح 9 ] . لذا نجد أنفسنا أمام نوعين من السوائل يتحدث عنهما الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، أحدهما يختلط بعضه ببعض أولا بأول ، عند الجماع ، ويسمى « منيا » ، والثاني لا يختلط بعضه ببعض في بادئ الأمر ، فور الجماع ، ويسمى ماء . أما ألف التثنية لفعلي ( أذكرا ) و ( آنثا ) فتعود لماء الرجل وماء المرأة ( كما سنراه في تفسير النقطة الثالثة ) ، حيث يشتركان معا في إذكار أو إيناث الجنين ، وبالتالي فإن الحديث ينص أن هناك جماع الرجل للمرأة ، ومن ثمّ علو مني الرجل لمني المرأة ( أو العكس ) ، ومن ثمّ إذكار أو إيناث الجنين من جراء اختلاط ماء الرجل بماء المرأة . ويظهر بالتالي فكّ الإشكال سابقا من أن ألف التثنية في ( اجتمعا ) تعود للرجل والمرأة بذاتهما ، وألف التثنية في ( أذكرا ، آنثا ) تعود إلى مائهما « 1 » .
--> ( 1 ) لفك الإشكال الذي نتج في الحديث رقم 9 ، لا بد من الاستعانة بقواعد اللغة العربية ، والارتكاز على دلالاتها ، وما توصّل إليه العلم الكوني في هذا المجال حتى يستقر المعنى على نحو سليم ومنضبط ، فهذا الحديث جاء في مجال تحدّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لليهودي في نبوّته ، وبالتالي ناسب إظهار أقصى درجات الإعجاز البلاغي في الكلام النبوي الشريف إلى جانب الإعجاز العلمي لإثبات نبوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم عبر استعمال عدّة أدوات بيانية في آن واحد تؤدي مجتمعة إلى إيصال المعنى المراد بطريقة موجزة ومكثفة ، يعجز الجن والإنس عن الإتيان بمثلها : ففي الحديث استعمال « الكناية » ( وهو ضرب من المجاز ، انظر مبحث « الإعجاز العلمي في القرآن والسنة والأسس التي يرتكز عليها ، باب : قولنا : معان . . . صريحة في دلالاتها » ) . وتتمثل الكناية هنا باستعمال فعل ( اجتمعا ) كناية عن الجماع والممارسة الجنسية ، تماما كما أن لمس -